الشعر الفارسي بين الأسطورة والقصة
يحتل أسلوب القصة مكانة متميزة في تاريخ الشعر الفارسي، فهو يغطي تقريبا مجمل أغراضه الشعرية، فقد استفاد الشعراء بقوة من مختلف أساليب الحكي، ووظفوها بكثافة للرقي بفنهم وجلب وجدان مستمعيهم وقرائهم..فكانت البداية من الأسطورة ليتجهوا في ما بعد إلى القصة خاصة في غرضي الغزل والعرفان. مع العلم أن النثر بدوره ملئ بالقصص والحكايات التي شملت جميع جوانب الحياة النفسية والاجتماعية الإنسانية.
لم يكن انطلاق الشعر الفارسي من غرض الحماسة صدفة تاريخية، بل هو انعكاس لنفسية مجتمع معتد بهويته وأساطيره، التي يرى فيه ذاكرة تضمن استمرار تراثه وتقاليده، ففي القرن الرابع الهجري، شرع الشاعر أبو منصور عبد الرزاق في نظم حماسة (الشاهنامه) التي تخلد بطولات الفرس القديمة، وبعد وفاته استأنف الشاعر دقيقي نظم (الشاهنامه) بأسلوب أكثر فنية من سابقه، إلا أنه لم يستطع إتمام عمله كاملا، ليأتي من بعده الشاعر المعروف أبو القاسم الفردوسي أواسط القرن الرابع الهجري، وتمكن خلال ثلاثين عاما من إنجاز أكبر حماسة في تاريخ الأدب الفارسي اشتهرت ب(شاهنامه الفردوسي).
تتضمن (الشاهنامه) أساطير متنوعة تخلد لبطولات وأبطال إيرانيين، كما تسعى إلى ترسيخ معاني قوة الحق والعدالة وخلود أرض فارس بتضحيات أبنائها، وقد اختلف الباحثون حول أصول تلك الأساطير، فمنهم من يقول إنها من خيالات الناس، ومنهم من يعتقد أن بعضها واقعي والباقي خيالي، فتعددت المواقف التي أجمعت على كون (الشاهنامه) سجل قومي يرسخ الحس البطولي عند الإيرانيين، ومن تلك الأساطير يرويها الفردوسي، أن شخصا يسمى جمشيد عرف بالدعوة إلى الخالق، قبض عليه ملك ظالم يسمى الضحاك فقتله. وتقديرا من إبليس لتلك الجريمة، قام بتقبيل كتفي الملك الظالم، فظهر على كتفيه ثعبانان كان غذاؤهما أدمغة الشباب، فاضطر الملك إلى قتل شابين كل يوم شابين لكي يتغذى الثعبانان بدماغيهما، وممن قتل الملك شاب من سلالة الملوك يسمى اثبين، فهربت زوجته بولدها فريدون إلى جبل البرز، وهناك كان رجل حداد يدعى كاوه له 18 ولداً قتل الضحاك 17 منهم، فتمرد ضده كاوه ودعا الناس إلى الثورة عليه، فتبعه الكثير من الناس واتجهوا جميعا نحو جبل البرز.. وبعد مرور أحداث مختلفة، كبر فريدون وأصبح مقاتلا شرسا تغلب على الضحاك وأسقطه، وتقلد زمام المملكة بدلاً منه.
في المرحلة الموالية، ولما نضجت المعارف الإسلامية في الضفة الفارسية ، واستقر التأمل الإيماني و الحكمة والأخلاق، ظهر بتدرج شعراء إيرانيون أبدعوا في الشعر الأخلاقي التعليمي، وبلغوا قمما عليا في الغزل والعرفان، نذكر منهم: النظامي، السنائي، العطار، سعدي، حافظ، مولانا، وغيرهم من الشعراء الذين ملئوا مرحلة امتدت من القرن الخامس إلى القرن التاسع الهجري.
سنكتفي في هذا المقام بذكر نموذجين فقط، وذلك لضيق المجال، مثالنا الأول هو منظومة: (منطق الطير) للشاعر الصوفي فريد الدين العطار، وهي نسق متكامل من الرموز الصوفية، يهدف العطار من خلاله إلى تقريب فكرة المرشد الصوفي، وتبسيط مسألة السير إلى الخالق عز وجل، فاختار الهدهد ليكون رمزا للمرشد ومعه جمع من الطيور، ليكون موضوع القصة الأساس هو رحلة خيالية يسير فيها الهدهد قائد الركب نحو حضرة (السيمرغ) أي العنقاء بجبل قاف، والعنقاء هنا رمز للخالق تعالى، ومنذ البداية تقوم بعض الطيور معتذرة عن السير متعللة بأسباب للقعود، فيوبخ الهدهد كلاً منها، ويورد حكاية تبين اختيارها الخاطئ، فالببغاء يقول معتذرا: "إنني خضر الطيور.. ولا حول لي لدى السيمرغ، تكفيني شربة من عين الخضر"، فيجيبه الهدهد قائلا: "انك تريد ماء الحيوان حبّاً في الحياة، اذهب فأنت لا لبّ لك، أنت مجرد قشر"، ثم يستحضر الهدهد هنا حكاية خلاصتها أن الخضر عرض على مجنون بالعشق الإلهي أن يصحبه، فأجابه المجنون: " أن حالينا جدّ مختلفين، أنت شربت ماء الحيوان لتبقى على روحك سرمداً، بينما أنا اعمل على الخلاص من روحي ..بل ابذلها كل يوم في سبيله، فمن الخير أن يبتعد كل منا عن الآخر ابتعاد الطير عن الفخ". تعيش الطيور السائرة خلف الهدهد نحو العنقاء أهوالا مروعة، وفي كل مرحلة يتساقط منها أفراد عجزوا عن المواصلة، وفي النهاية لا يصل منها إلا قلة قليلة.
نجح فريد الدين العطار في أن يجعل (منطق الطير) بناء قصصيا جذابا، عميقا ومتكاملا، يجمع بين جمالية النظم الشعري وإثارة الحدث القصصي، والإفادة المعنوية، وهي النتيجة التي يسعى وراءها العطار. تقريب معاني السير والوصول إلى الباري تعالى.
ننتقل إلى منظومة (المثنوي) للشاعر جلال الدين الرومي، الذي يعتبر من أكبر الشعراء الذين استفادوا من القصة للتأثير في الناس، وحشدوا لذلك كل طاقتهم الروحية وإمكاناتهم التخاطبية، فلا يكادون يعرضون معنى من المعاني إلا ويوضحونه بقصة، يستعيرون أدواتها من حياة الناس اليومية، من أشهر قصص منظومة (المثنوي) نذكر قصة (الأمة والملك)، وهي شبكة متداخلة من الرموز الصوفية التي يحيل بعضها على بعض، وتؤصل للرؤية الصوفية من واقع الإنسان وآلامه وقلبه.
يروي جلال الدين الرومي، أن ملكا ذهب مرة في رحلة صيد، فرأى في طريقه (أمة) فائقة الجمال فعشقها، ثم اشتراها من صاحبها بمبلغ كبير، وأخذها معه إلى قصره، ليفاجأ بمرضها، ويحزن الملك لذلك حزنا شديدا، جمع كبار مستشاريه، وقال لهم: "إن حياتي مرهونة بحياة هذه الأمة، إذا ماتت فأنا أيضا سأموت"، فقاموا في طلب أمهر أطباء المملكة لعلاجها، عجز الأطباء بكل مهاراتهم عن ذلك، بل اشتد مرض الأمة وزاد جسمها ضعفا، بكى الملك لحالها، ثم انطلق حافيا إلى المسجد، جلس وحيدا عند المحراب يتوسل المولى عز وجل، حتى أخذته غفوة، رأى فيها شيخا نورانيا، خاطبه: " أبشر أيها الملك، لقد استجاب الله لدعائك، غدا سيأتي إلى قصرك رجل غير معروف، وهو طبيب عارف، صادق، منحه الله قدرة في روحه" كن في انتظاره.
وفعلا في غد ذلك اليوم يأتي الرجل إلى القصر، يأمر الملك بإدخاله، من شدة الفرح يقبله ويخاطبه:" أنت محبوبي الحقيقي، أما الأمة فما هي إلا وسيلة إليك"، ثم يستقبله ويقوم بإكرام ضيافته، بعد ذلك يحكي له قصة الفتاة، ويأخذه لكي يفحصها، يفهم الطبيب أن مرض الفتاة ليس جسمانيا وإنما هو مرض روحي، يجس الطبيب نبض الفتاة وفي الوقت نفسه يسألها أسئلة مختلفة، واحدا تلو الآخر، عن أهلها، أصدقائها..وهي تجيبه فيبدأ بسؤالها عن المدن إلى أن يصل إلى مدينة سمرقند، فيحس بنبض الفتاة يزداد، فيسألها عن أحياء سمرقند، وما أن يصل إلى مكان اسمه (غاتفر)، حتى يزداد نبضها أكثر فأكثر، ويفهم أنه مقام معشوقها. ثم تحرى الأمر حتى عرف أنه شاب صائغ، يخبر الطبيب الملك بحقيقة مرضها، فيرسل الملك في طلب الشاب باستخدام المال والذهب والحيلة أيضا، ثم جاء الشاب إلى القصر، استقبله الملك ورحب به وأهداه هدايا ثمينة وعينه أمينا على خزائنه، بعد ذلك زوجه من الفتاة التي تحسنت صحتها واسترجعت جمالها وعافيتها، بعد ستة أشهر من الزواج، أعد الطبيب للصائغ الشاب مشروبا، فشربه، ثم بدأ يضعف شيئا فشيئا، حتى اصفر وجهه وساءت حالته وفقد جماله، ففقدت الفتاة تعلقها به. ذرفت عينا الشاب الدماء، وتأسى لحاله وندم على طمعه مذكرا الملك بجريمته، ثم مات.. أما الفتاة فقد نسيت حبه بموته. هنا تتوقف القصة، ليذكرنا مولانا بأن حب الفتاة كان حبا صوريا، لقد أحبت الصورة فقط، حب غير ثابت وغير دائم، بينما الحب هو الحب الحي الحقيقي والخالد، وعموما تتميز قصص المثنوي بما تتضمنه من إشارات إلى آيات قرآنية وأحاديث وروايات مختلفة، وتعكس أيضا معرفته العميقة بالإنسان وتعلقاته الروحية.
يشتمل الشعر الفارسي على ثروة كبيرة من الفن القصصي، بدأ أسطوريا في عمومه و خلد للبطولات القومية، لكنه أصبح إنسانيا عندما أراد إصلاح الروح والمشجتمع.












من مصر
معلومات جميلة ومفيدة
سلمت يدك
مشكور على جهدك